لسان الدين ابن الخطيب

مقدمة المحقق 10

الإحاطة في أخبار غرناطة

الغني مرسوما بإعادة ابن الخطيب إلى منصبه في الوزارة . وفي أوائل سنة 764 ه وصل ابن خلدون إلى غرناطة ، بعد أن فقد نفوذه في بلاط فاس ، فاستقبله الغني أحسن استقبال ، وفي سنة 765 ه أرسله الغني سفيرا إلى قشتالة ، وفي سنة 766 ه عاد ابن خلدون إلى المغرب ، بعد أن فترت العلاقات مع ابن الخطيب . ثم شعر ابن الخطيب بأنّ أعداءه ، وفي مقدمتهم الوزير أبو عبد اللّه محمد بن يوسف ابن زمرك ، والقاضي أبو الحسن علي بن عبد اللّه النباهي ، والوزير سليمان بن داود ، أخذوا يكيدون له عند الغني بالله ، وتخيّل أن الغني بالله أخذ يميل إلى قبول وشاياتهم ، فاتّصل سرّا بسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني ، فوعده بأن يؤمّن له الحماية اللازمة والرعاية الكافية ، وأخذ منه عهدا بالإقامة في كنفه . عندئذ استأذن الغنيّ بالله في تفقّد الثغور ، وسار إليها في لمّة من فرسانه ، ومعه ابنه عليّ ، فمال إلى جبل طارق ، فتلقّاه قائد الجبل ، بناء على أمر سلطان المغرب المذكور أعلاه ، فأجاز إلى سبتة في جمادى الآخرة من عام 773 ه ، ثم توجّه إلى تلمسان فوصلها في التاسع عشر من رجب من العام المذكور ، واستقبله السلطان أحسن استقبال ، وأحلّه من مجلسه محل الاصطفاء . وكان قد بعث ، وهو يغادر وطنه إلى غير رجعة ، برسالة وداع إلى الغني بالله ، يبرّىء فيها نفسه ونزاهة مقصده ، وبعث منها نسخة إلى ابن خلدون ، أوردها هذا الأخير كاملة في كتابيه « كتاب العبر » و « التعريف بابن خلدون » « 1 » ، وهي من أروع الرسائل إجادة وبلاغة ، وقد بدأها بأربعة أبيات من الشعر ، نذكر منها هذين البيتين : [ المنسرح ] بانوا فمن كان باكيا يبكي * هذي ركاب السّرى بلا شكّ تصدّع الشّمل مثلما انحدرت * إلى صبوب جواهر السّلك وفي الشهر نفسه من السنة نفسها أرسل سلطان المغرب سفيره إلى غرناطة ، فأتى بأسرة ابن الخطيب مكرّمة . عندئذ وجّه إليه القاضي النباهي تهمة الإلحاد والزندقة والطعن في الشريعة والوقوع في جناب الرسول الكريم ، بعد أن نعى عليه تدخّله في شؤون القضاء أيام ولايته القضاء ، فأصدر فتوى بإحراق كتبه ، فأحرقت في ساحة غرناطة ، وصودرت أملاكه ، واستحثّ سلطان المغرب على تسليمه لإجراء العقوبة عليه ، فرفض . ولمّا

--> ( 1 ) كتاب العبر ( م 7 ص 949 - 956 ) والتعريف بابن خلدون ( ص 147 - 152 ) .